English

للإتصال

سجل الزوار

علماء مسلمون

قالوا عن الشيخ

صور

محاضرات

مؤلفاته

حياته

الوالد في بيته بقلم ابنه الأكبر محمد زاهد

ولادته وأسرته

زواجه

الوالد مع إخوته

مساكن الوالد

تعامل الوالد مع النساء

الوالد مع أولاده

أخلاقه ومنهجه في التربية

علاقته ببيت حميه

استقبال الزوار والضيوف

لباسه

أسفاره

 

ولادته وأسرته:

ولد والدي – رحمه الله -لأسرة مستورة الحال – كما كان يصفها هو – وكانت الأسرة تعمل في صناعة وتجارة النسيج اليدوي مثلها مثل مئات الأسر في حلب، وكانت الأسرة تقطن في حي الجبيلة، الحي العريق والذي يقع داخل سور المدينة القديمة ولا يبعد عن قلعة حلب سوى بضع مئات الأمتار.

ويبدو أن أحوال الأسرة المادية تأثرت بدخول الأنوال الآلية في الثلاثينات من القرن العشرين، فلم تعد الأنوال اليدوية تتمكن من المنافسة حتى اختفت تماما، ويتضح هذا من بيت العائلة الذي كان من البيوت الواسعة في الجبيلة ولكن معيشة الوالد وإخوته كانت عادية تماما ولم يكن أي منهم يتمتع بثروة تذكر، ويبدوا أن ثروة العائلة ومدخراتها قد استنفدتها الخسائر التي وقعت بسبب دخول الأنوال الآلية حتى إذا توفي جد والدي ووالده لم يعد لدى العائلة غير الدار وقليل من المال، إذ ذكر لي والدي أنه ورث عن والده ثلاث ليرات ذهبية، وحصته في بيته والتي تركها فيما بعد لأخيه الأكبر محمد سعيد.

ولد الوالد في بيت في الجبيلة كان يملكه السيد محمد بازو، ثم انتقل جدي رحمه الله إلى المنزل الذي ترعرع فيه والدي، وهنا أتوقف قليلا لأصف البيت الذي عاش به الوالد مقتبل حياته وهو بيت مساحته حوالي 15×20 متراً تدخل إليه من بابه إلى دهليز له باب آخر فلا ينكشف صحن الدار إذا انفتح باب الزقاق، وهناك على يمين الداخل في هذا الدهليز باب لغرفة الضيوف يدخلها الزائر دون أن يمر بباقي البيت، فلا يزعج أهله ولا يطلع على عورة، وإذا دلفت من هذا الدهليز إلى صحن الدار، وجدت على يسارك غرفة هي بمثابة مطبخ وحمام وبداخلها بئر يشرب منها أهل الدار الماء العذب، وعلى يمينك غرفة الضيوف السابق ذكرها يصعد إليها بدرجتين وتحتها قبو ينزل إليه ببضع درجات وعلى الطرف الأيمن للبيت حجرتان واسعتان وتحتهما قبوان وفوق هذه الحجر الثلاث غرفة يصعد إليها بدرج من جانب الدار واصطلح أهل حلب على تسميتها بالمربع، وأمام الداخل في الطرف المقابل حجرة تحتها قبو وبجانبها حمام، أما عن يسار الداخل فهو حائط مرتفع لا حجر فيه وكانت ساحة الدار مرصوفة بالحجر الأملس وفي منتصفها حوض كبير فيه شجرة ياسمين تفوح بشذاها العطر، وتضم زهورها نساء الدار في عقود تزين أجيادهن، أو يجمعونها في شذرات ابر الصنوبر ليسهل حملها في باقة جميلة.

وكما يتضح فإن الدار واسعة المنافع، مستوفية المرافق، وقد سكن الوالد وأخواه في الدار بعد وفاة جدي، ثم خرج عمي الأكبر عبد الكريم وسكن في دار قريبة تجاور مسجد أبي الشامات في الجبيلة، وقد عاش والدي في هذه الدار قرابة ثماني سنوات بعد زواجه في غرفة الضيوف التي سبق أن أشرنا إليها على يمين الداخل تحيط به كتبه وفيها منامه ومعيشته، ومن المفيد أن نعطي لمحة عمن سكنوا هذه الدار بعد وفاة جدي رحمه الله:

عمي عبد الكريم وأولاده الثلاثة من زوجته الأولى، وما لبث أن خرج كما أشرت، فسكن ابنه الأكبر محمد سعيد – وهو أصغر من والدي بعشر سنوات – في إحدى الغرف، ثم خرج منها ليسكن مع والده، ثم ما لبث أن خرج ليسكن مستقلا، وخرج والدي من هذه الدار سنة 1380 – 1960، حيث سكن في زقاق الدولاب في البياضة في دار لآل السمان.

 جدتي سكنت في أوسع الغرف حتى توفاها الله عام 1957، فبقيت الدار لعمي عبد الغني رحمه الله وأولاده، حيث سكن معه ولداه المتزوجان أحمد وبشير، ومعذرة إن أطلت في الحديث عن الدار، ولأني أردت أن أبين أن نمط الحياة كان قائما على التعايش والمحبة والستر والتواضع، لا على التظاهر و التفاخر.

 كانت أسرة أبوغدة من الأسر المحافظة المتدينة التي تبتعد عما يشين المرء المسلم من السفاسف، وتذكر إحدى عماتي أن جدي ووالده رحمهما الله منعا عمي عبد الكريم من تربية الحمام – وهي هواية كانت رائجة بين شباب ذلك الوقت – وحظرا على أولادهم الذهاب إلى السينما.

جدتي لوالدي هي السيدة فاطمة مزكتلي، وأسرة المزكتلي أسرة مستورة كذلك، وكان خالا والدي، أحمد وعبد الجواد رحمهما الله، يعملان في مهنة القصابة حتى آخر أيامهما، وكانت جدتي سيدة نحيفة طويلة القوام، لا تفارق ملامحها السكينة وطمأنينة المؤمن، ولا تكاد تفارق مصلاها في نهارها أو الليل، وقد أقر الله عينها بأن رأت ابنها الأصغر عالما يشار إليه بالبنان، وكان والدي باراً حفياً بها يقبل يديها ويضمها إليه ويحملها وقد توفاها الله وهي مع الوالد في مصطافه في بلودان، فعاد بها إلى حلب حيث دفنت، وأذكر أنني رأيت والدي وقد طفرت منه دمعتان، وجثمانها الطاهر يدخل إلى حجرتها وبناتها وحفيداتها حزينات باكيات، فكانت تلك أول مرة وعت ذاكرتي والدي يبكي ...

كان والدي أحد أولاد جدي الخمسة، وأكبرهم: عبد الكريم وكان يعمل حارساً في شركة الزيوت، وثانيهم: عبد الغني وكان يعمل تاجر قماش في سوق الزهر، وثالثتهم الحاجة شريفة زوجة السيد محمد سالم بيرقدار وكان يعمل في دكانه قرب جامع العادلية، وقد توفاها الله في شعبان 1425/أيلول 2004، ورابعهم الوالد، وخامستهم: الحاجة نعيمة زوجة السيد علي خياطة وتعيش في حلب أمد الله في عمرها.

عمل الوالد في تجارة والده قبل أن يتوجه إلى العلم، فعمل صبيا يساعد عامل النول في نسيج القماش، ثم عمل في دكان الحاج حسن صباغ في سوق العبي بحلب إلى أن وفقه الله وشرح صدره لطلب العلم الشرعي في حلب ثم في مصر.

 لم يكن للوالد تأثير يذكر في تزويج أخواته، فقد تزوجت عمتي شريفة في حياة جدي رحمه الله وتزوجت عمتي الثانية الحاجة نعيمة بعد زواجه بقليل، ولكن علاقة الوالد بأختيه كانت ممتازة تسودها المحبة والحنان، واختار الوالد أسماء بعض بنات عمتي اللاتي ولدن وهو في حلب: سائدة وخولة وزينب.

زواج الوالد:

وعندما عاد الوالد من مصر سنة 1949 عمل في التدريس، وما أن توفر لديه مبلغ مناسب لمصاريف الزواج حتى أن بدأت أختاه في البحث عن زوجة مناسبة له، وعرف الوالد أن إثنين من شباب الإخوان علي وعادل الهاشمي لهما أخت في سن الزواج، فأرسل أختيه لرؤيتها حسب التقاليد المرعية، فأعجبتهما الفتاة ووالدتها، فتقدم الوالد لخطبتها وتم الزواج سنة 1951 الذي كان حدثا إخوانيا إلى جانب كونه أمرا عائليا، فقد كان الوالد من أبرز شخصيات الأخوان في حلب وأكثرها شعبية.

وهنا أدع المجال للوالدة حفظها الله تصف كيف تمت الخطبة:

(كان أخي الأكبر – وولي أمري بعد وفاة والدي - الأستاذ علي الهاشمي بارزا في أسرته بتدينه وحرصه على تلقي العلوم الدينية وحضور درس الشيخ عبد الفتاح أبوغدة، و كان ينقل لنا نحن النساء كل ما يسمعه في الدرس - حسب توصية الأستاذ للحاضرين – فغرس في نفسي محبة الدين وأن كل ما يكون من أمر الله لا أتردد في تقبله أو فعله أو الانتهاء عما حرم، فكنت أسمع من أخي بأن الأستاذ عبد الفتاح قال كذا وقال كذا، وكان مدرسنا الدين في الصف السادس محمد خير الدرع فكنت أناقشه في بعض الأمور وأعزوها لقول الأستاذ عبد الفتاح أنه قال لأخي هذا الكلام، ومرة قابل مدرسي الأستاذ وقال له: ألا تريد أن تتزوج؟ فأجابه: ألا تسعى لي؟ فقال له يوجد بين طالباتي بنت الهاشمي تصلح لك. فكأنه لمح تشابه التمسك القوي في الدين مني فقال له تصلح لك.

وأرسل الأستاذ أختيه لرؤيتي، وكان أخواي ووالدتي مجمعين على تدريسي حتى الجامعة وكانوا يعتذرون لكل من يأتيهم خاطباً بقولهم لا نريد تزويجها الآن بل نريد لها أن تكمل دراستها، وتقدم الأستاذ رحمه الله لخطبتي عن طريق القاضي الشرعي بحلب الشيخ عبد الوهاب الألتونجي رحمه الله تعالى، فقال أخي ولكن الأخت صغيرة ونحن واضعين خطة أنا وأخي ووالدتي لتكميل دراستها فقال انظر في الأمر مع الوالدة واشرح لها الموضوع وطبعا زكاه له وأخي لا يحتاج إلى تزكيته فهو يعرفه جيدا إذ قد رافقه في الرحلات والسفر، وفاتح أخي الوالدة وقال لها اليوم تكلم معي القاضي الأستاذ الألتونجي وطلب أختي للأستاذ عبد الفتاح وبدأ يشرح مزاياه للوالدة ويقول هذا عالم ويشفع بإذن الله لنا يوم القيامة فقالت له الوالدة أنا موافقة واستشهدت بالمثل الشائع عند أهل حلب (أعطي بنتك للعالم ان أحبها أكرمها وان لم يحبها لم يظلمها)

والى جانب تزكية الأستاذ الألتونجي سأل أخي الأستاذ محمد المبارك فزكاه أيما تزكية وقال له لو طلب أختي لسوف أقدمها له هدية وبدأت المشاورات في كيفية التنازل عن القرار الذي اتخذوه بتكميل التعليمي إلى الجامعة، وبموافقة الوالدة رحمها الله تعالى وافقت على الأمر، ولكن المفاجئ أن الأستاذ لم يكن يرغب بمقابلة مخطوبته والنظر اليها واكتفى بوصف أهله لها، ونظرت إليه من وراء حجابي، وقد يكون ذلك لرغبته في البيت لا في الشكل.

وقبل الزفاف وأثناء الجهاز أخاطت لي الوالدة رحمها معطفاً للحجاب، وكان للمعطف لدى أهل ذلك الوقت معنى الزينة لا الحجاب، وبعد الزفاف لبست المعطف وذهبت به مرة لعند أهلي في الليل، ويبدو أنه لم يناسبه، فانتظر حتى زارنا أخي الأستاذ علي فقال لي إلبسي هذا المعطف أمام الأخ علي فلبسته فنظر اليه وقال لأخي متحاورا معه: هل هذا حجاب أم هذا ثوب زينة؟ فقلت أنا: أتعني أن هذا ليس بالحجاب المطلوب شرعا، فقال: لا، فقلت: ما الحجاب الشرعي الذي يرضى الله عنه ؟ فقال: هي الملاءة لكونها لا تصف لابستها، فقلت: إذاً ألبسها، ولم يثنيني عن لبسها كلام القائلين أو المعترضين المتأسفين على الشابة الصغيرة تلبس هذا اللباس، ولكن كما ذكرت من قبل ساعدني على ذلك ثقتي به وأنه لا يقول الا ما يأمر به الشرع لا زيادة ولا نقصان، وقد زرع هذه الثقة في نفسي من قبل أخي جزاه الله عني خير الجزاء عندما كان ينقل لنا في البيت الدروس التي كان يسمعها منه رحمه الله تعالى، وكان قليل ذات اليد حين تزوج، فقد استدان من إخوانه 2000 ليرة سورية بإلحاح منهم حتى يصرفها في لوازم الزواج والمهر والإملاك.

وكان رحمه الله يحب والدته كثيرا ويجلها ويحترمها، وقد سكن مدة ثلاث سنين في دار والده من أجل ارضاء والدته، مع مشقة تحجبي أمام إخوته، ولكنه استأذن في ذلك وأوضح قبل الزواج بأنه يريد أن يسكن مع إخوته في دار الأهل إرضاء لوالدته، وقد قبلنا ذلك لأننا نعتقد أن إرضاء الوالدة مقدس، والحمد الله فقد كنت مع الأهل مسرورة، ولا أزال أذكر تلك الأيام الجميلة، ولا زالت لي علاقة حميمة مع ابنة أخته التي كانت زوجة ابن أخيه المرحوم محمد سعيد، وأورثتنا هذه الأيام علاقة حميمة ومحبة لكل أفراد العائلة التي كانت تسكن هذه الدار.

ومن محبته ـ رحمه الله ـ لوالدته كان لا يسافر إلى نزهة أو قضاء بعض أيام في أريحا الا وهي أول من يسافر فإن رضيت وإلا ألغيت هذه الرحلة حبا في برها، حتى توفيت رحمها الله معنا عندما كنا مصطافين في الزبداني رحمهما الله وكان يدعوها الى الطعام فان أبت أو قالت لست جائعة حملها حملاً إلى غرفته التي فيها الطعام وقد ساعده على ذلك خفة وزنها رحمهما الله تعالى)

عاش الوالد مع الوالدة 45 سنة في زواج تقصر الكلمات عن وصفه، فقد كان زواجا مثاليا مبنيا على تقوى الله وطاعته، والمحبة والتفاهم والانسجام، فلم نرهما يوما يختصمان أو يتصايحان، ولا أشك أن زواجهما – كأي زواج – كان عرضة لاختلاف وجهات النظر في بعض الأحيان، ولكن عرفا كيف يحلان هذه الخلافات بعيدا عن أولادهما.

الوالد مع إخوته:

كانت علاقة الوالد بأخويه علاقة محبة وثيقة وعميقة قد لا يظهر عمقها للناظر العابر، وهي سمة موجودة في آل أبوغدة، وكان الوالد يشاورهما في الأمور المعيشية، وكان يشاوراه في تزويج الأولاد وشأن دراستهم، وما إلى ذلك.

وقد توفيت زوجة عمي عبد الكريم الأولى مخلفة وراءها أربعة من الذكور: محمد سعيد، وعبد الستار، وعبد الهادي، وعبد الرزاق، فوجه الوالد عبد الستار لطلب العلم الشرعي بأن أدخله دار الحفاظ في المدرسة العثمانية، فحفظ القرآن الكريم وأتقن الخط العربي ثم وجهه للدراسة في الثانوية الشرعية وكلية الشريعة، وعندما توجه ابن عمي الشيخ حسن للدراسة الشرعية، سر الوالد بذلك أيما سرور، وبقي يوجهه ويساعده، وفقه الله للخير ونفع به، وقد أقر الله بهما عيناه بأن رآهما وقد نالا شهادة الدكتوراة وأصبحا من العلماء المعروفين المتميزين.

وكان الوالد يرى أن طلب العلم الشرعي واجب على كل عائلة مسلمة، ينبغي أن تنتدب له أحد نوابغ أولادها، بل وتعوضه ماديا عما قد يفوته بتخليه عن الدراسات الدنيوية، وذلك لينتشر العلم الشرعي بين الناس وتكون له منائر في كل البيوت، ولا تختص به عائلة أو عشيرة، وكأنه ينظر الى قول الله تعالى في الآية 122 من سورة التوبة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.

وقد يبدو لنا هذا الكلام غريبا في هذا الوقت الذي أقبل فيه جل الناس على العلم الشرعي،  وازدانت دمشق وحلب وغيرها من مدن سورية بمدارس التعليم الشرعي التي تخرج منها مئات الطلبة والطالبات في كل عام، وبينهم سراة المجتمع وأثرياءه، ولكن تأثير ذيول الاستعمار الفرنسي ووطأة التوجه التغريبي كانت لاتزال شديدة في الخمسينيات من القرن العشرين، حيث كان الانبهار بالحضارة الغربية على أشده، والمجموعة التي تعلمت في ظل المستعمر هي التي تمسك بمناهج التعليم الى جانب تخلف طبقة العلماء عن مواكبة التغيرات الاجتماعية وأدى كل هذا الى انصراف كثير من الناس عن ارسال أولادهم للتعليم الشرعي إلا من كان متأخرا في دراسته، متخلفا في تفكيره، رفضته المعاهد والجامعات، فاتجه للعلم الشرعي مكرها متثاقلا.

وقد يتساءل القارئ الكريم ولماذا لم يرسل الشيخ كل أولاده لدراسة للعلم الشرعي، الجواب أنه وإن كان ذلك يسره، إلا أنه لم يشأ أن يضغط على أولاده وتركهم لاختيارهم دون ضغط أو إكراه، وأنا اليوم أقول لنفسي: ليته فعل! وهكذا فقد درست أنا الهندسة ودرس أخي أيمن الطب، وكان سلمان منذ نعومة أظفاره يقول أنه سيدرس العلوم الشرعية، وسبحان مصرف القلوب.

مساكن الوالد:

انتقل والدي – كما ذكرت – إلى بيت في زقاق الدولاب في حي البياضة على بعد خطوات من قلعة حلب، وكان بيتاً عربياً – كما يسمى – يتألف من حجرتين ومطبخ وحمام على مستوى صحن الدار، ويعلوها ثلاثة حجر استعمل الوالد أكبرها مكتبة، وفيه ولدت له ثانية بناته عائشة

ولما كبرت العائلة ضاقت بها الدار، فبحث الوالد عن دار مناسبة حتى وجد داراً يملكها آل كعكة الكرام في حي الأنصاري قرب جامع سيف الدولة - وكان آنذاك حياً حديثاً – تتسع للعائلة والكتب، وكانت فعلاً داراً واسعة تتكون من خمس حجرات وصالة، كانت إحداها لنوم الوالد والثانية للبنات، والثالثة للضيوف، والصالة للجلوس، أما المكتبة العتيدة فقد احتلت الغرفتين الباقيتين، وكان على الصبيان النوم فيها، وهذا ما جعلني – والحمد لله – مولعاً بالقراءة فقد عشت يفاعتي بين الكتب، ولا زلت اليوم أتخيل المكتبة ومواقع كتبي المفضلة فيها: قصص العرب، وديوان الحماسة، وقصص الأنبياء.

انتقل الوالد بعد سبع سنوات في هذه الدار إلى دار في طرف آخر من حي الأنصاري – وهي أول دار امتلكها – وكانت داراً متواضعة تتكون من أربع غرف وصالة، وما كانت لتتسع للمكتبة لولا أن مالك العمارة الحاج نجيب مليس باع للوالد ملحقاً في الجوار لا تمكن السكنى فيه لانعدام مرافقه، ولكنه كان مناسباً للمكتبة التي اتسعت وزادت حتى أصبحت تعادل بقية العائلة فيما تطلبه من مساحة.

وحيث كنا نقيم في السعودية آنذاك، فقد كنا ننزل في هذا البيت في الصيف، وبعد سنوات توفر مع الوالد مبلغ مناسب لشراء بيت أفضل حيث كان البيت المشار إليه في الدور الأرضي بعيداً عن الشمس والهواء أغلب النهار، فاشترى الوالد بيتاً آخر في حي العمران كان لا يتسع للعائلة والمكتبة، فبقيت المكتبة في الملحق في البيت القديم، ولم يكن في ذلك غضاضة، لأن الوالد ما عاد يرجع إلى سورية في الصيف خشية تكرار اعتقاله، وأصبح يمضي الصيف في لبنان.

أما البيوت التي سكنها الوالد في الرياض أثناء إقامته في السعودية التي طالت 30 سنة، فكان أولها في جنوب شارع الوزير، وكان ذلك آخر المأهول من مدينة الرياض عام 1375-1965، وكان ذلك البيت متواضعاً في بنيانه، وأثثه الوالد بأثاث بسيط جداً، وإذ لم يكن يتوفر – آنذاك – الأثاث الحديث في الرياض إلا بتكلفة جد باهظة، وأذكر أننا في السنة الأولى لم يكن لدينا مكيف، فكنا ننام على السطح - بعد غسله وتبريده – تحت نجوم السماء التي لم تكن أنوار الرياض – آنذاك - لتنافسها.

وانتقل الوالد بعد سنتين ألى منزل آخر في حي دخنة في الرياض حيث استأجر منزلاً من ثلاث حجرات وصالة اتسعت للأولاد والكتب والضيوف، وما لبث الوالد بعد ذلك – وقد كبرت العائلة عدداً وأعماراً – أن استأجر شقة صغيرة بجوارها تتكون من غرفتين وصالة فاتسعت الأمور وانفرجت.

كان الوالد دائماً يتطلع للعودة إلى سورية والعيش في حلب، وقد اندلعت الأحداث المؤسفة المعروفة عام 1398-1978 والوالد يستعد للعودة والاستقرار في العام القادم، ولما تبين ألا عودة في المستقبل المنظور، رغب الوالد الاستقرار في منزل مريح فاستأجر دارة في حي الربوة كانت واسعة الأرجاء عديدة الغرف، أخذت فيها المكتبة مواقعها براحة دون أن تنافس أهل البيت في غرفهم، ثم بعد 3 سنوات انتقل لى دار أخرى تماثلها في حي الريان سكنها أربع سنوات، ثم انتقل بعدها إلى الدار التي توفاه الله وهو يسكنها في حي الربوة، وهي دار شعر الوالد فيها بالراحة والاستقرار فكأنها قد بنيت ليسكنها هو في مساحة غرفها وعددها واستيعابها للمكتبة والأولاد والأحفاد.

تعامل الوالد مع النساء:

وهنا نعود للوالدة لتحدثنا عن منهج الوالد في التعامل مع النساء:

(كان رحمه الله من محبي إكرام المرأة، ويوصي بالترفق بها والتكلم معها بالكلام الرقيق الذي يجعل خاطرها طيبا دائما، ويبغض جدا الكلمات الجارحة للمرأة ومن يقولها لها ويعد هذا أمراً غير إنساني، ويستنكر مثلاً أن يقول الزوج لزوجته إذا أخطأت: أنت لا تفهمي أو ما شابه ذلك، ولا يحب المزاح مع المرأة وبالذات أن يقول الرجل أريد أن أتزوج ثانية وأمثاله مما يروق لبعض الرجال الجهلة فعله أو عمله، وإذا تعلل بعض الرجال بكون هذا مزاحاً قال لهم: لم يبق من المزاح مع زوجتك غير هذه الكلمة التي تطير صوابها، وما ألقى علي يوما عتبا في شيء لم يحصل عليه، ولا يرى الرضا إلا بما قدر الله دائما.

وكان ـ اتباعا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ يساعد أهله في البيت فيملأ لنا الماء مع الثلج في المسقى، أو ينسق الفاكهة في الثلاجة وكنت أرى هذا العمل البسيط من أكبر المساعدات.

وكان رحمه الله حلو اللسان حسن الألفاظ، لم أكن أشعر أنه ينقصني شيء من متاع البيت أو الحلي أو أي شيء، وأظن أن الدنيا كلها في حوزتي لو طلبتها فسوف يأتيني بها، وكان رحمة الله عليه يسلم علينا حين يخرج من البيت وحين يدخل، ويدخل مستبشراً ويشيع في البيت الراحة بقدومه.

وكان رحمه الله بعد استيقاظه من القيلولة أو في الصباح بعد التسبيح والتهليل والدعاء ينشد الأناشيد وبعض الأشعار تنشيطاً لنفسه ولأهل بيته ولإدخال الأنس والبهجة والسرور على البيت.   

وكان لا يعنفنا على تقصير أو نسيان بل يلجأ للتلميح دون التصريح، فإذا نقص المائدة الماء مثلا فإنه يقول على شكل قصة كنت مرة مررت على النهر وكنت عطشان... فأعرف أنني نسيت الماء أو أنه يريد الماء.

وبالطبع لم تكن لتفوته صلاة الصبح في وقتها، ولكنه رحمه الله لم يكن يتأفف أو يكسل من إيقاظي عدة مرات لصلاة الصبح في أول زواجنا، مقدراً قدر الجارية الحديثة السن، وبقي هذا دأبه بعد أن رزقنا بالأولاد فكان أيضا يصبر على إيقاظي مقدراً أنني متعبة من الأولاد ومشاغلهم لاسيما وهم رضع صغار، فيعاود إيقاظي مرتين أو ثلاث، ويعذرني في هذا لتعبي، وكان رحمه الله يذهب للأولاد ويوقظهم المرة تلو المرة حتى يستيقظوا بالكلام الطيب والتشجيع دون ضجر أو ملل، فلا ينفروا من الصلاة والاستيقاظ.

وكل هذا لرحمة نادرة جعلها الله في قلبه فهو يحن على الناس كلهم، وعندما عدنا إلى حلب آلمه غلاء البيوت وقصر يد الناس عن شرائها، فقال لي مرة أرجو الله أن ترخص البيوت، فقلت له: ويرخص بيتنا فنخسر فأجابني: لا يهم ذلك بل المهم أن ترخص على الناس، فقد كان رحمه الله يهمه الناس ولا تهمه نفسه وعاش لخير الناس يدعو بدعوة الخير.

وكان يتفقدنا بالصلاة إذا كنا مشغولين، ويقول إذا شغل الغسيل أو عمل كبة أو طبخ أو أي عمل المرأة عن الصلاة فإن عملها حرام والأكل منه حرام، ويحثنا على صلاة الضحى حتى كنت أطفىء الغسالة ـ والغسالة القديمة كانت يدوية ـ لأصلي الضحى.

وكان رحمه الله حريصاً على الأخذ بالعزائم في أغلب أموره ولكنه كان يترخص في بعضها تخفيفاً على النساء مثل الرجم بعد الغروب في الحج لما في ذلك من مصلحة في تفادي النساء للزحام.)

الوالد مع أولاده:

ثم تتحدث الوالدة عن بعض ذكرياتها حول تعامل الوالد مع أولاده:

(كان يحب الأولاد ذكورهم وإناثهم، وعندما ولدت محمد زاهد فرح به فرحا شديدا وأسماه باسم والده محمد واسم شيخه زاهد، وكناه بشمس الدين أبو الفضل، وكان حريصاً أن لا ينقص من اسمه فيناديه دائماً بهذا الاسم المركب محمد زاهد، وكان كل صباح يحمله وينزل من الغرفة – التي يسميها أهل حلب المربع ـ فيمر به على والدته مصبحاً عليها ثم على من كان في البيت من إخوته ويصبّح عليهم ويقول من يشتري قبلة بربع ليرة، وقبل أن نرزق بمحمد زاهد كانت أخواته يقلن عندما تأتي زائرة مع ولدها خذوه ليراه الشيخ لعلمهن بمحبته للأطفال.

وكان رحمه الله يهزج لمحمد زاهد:

ما اسمك يا ولدي          محمد زاهد أبوغدة الكوثري

عندما ولدت ابنته الأولى فرح بها كثيرا وقال لي سوف أسميها ميمونة فهو اسم اختاره النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقت على الاسم موافقة لما اختاره صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا الاسم منتشراً آنذاك، واعترض عليه كثير من الناس ـ ولم نأبه لهذا ـ ثم استحسنوه وأسموه بناتهم وانتشر.

وكان ـ رحمه الله ـ يداعبها بقوله لها: أكلت العلم منذ صغرك، فقد زحفت ـ في غفلة منا ـ ومضغت بعضاً من أوراق كتاب كان قد تركه ليطالع فيه، وكان محمد زاهد قد رسم له على كتاب فيقول اشتغلوا بالعلم من صغرهم، وكان ينقر عليهم بذلك في كبرهم.

أما ابنته الثالثة فأسماها باسم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد ولدت في شهرها السابع ضعيفة نحيفة، وكان سروره بها واضحاً، وذهب لوالدتي ووصفها بالأوصاف الجميلة جميعها، ولما جاءت والدتي لزيارتي بعد الولادة فوجئت بضعفها، وبعد أن عوفيت وكبرت قالت الوالدة عندما رأيتها قلت إنها قد تموت غدا، ولكن أطال الله عمرها وأنجبت البنات والبنين والحمد لله وكان مدحه إياها ولعل وصفه لها بالصحة من باب الاستبشار بالخير وقد أنعم الله علينا به والحمد لله التي تتم بنعمته الصالحات.

وولدت فاطمة بعد وفاة والدته بأسابيع فأسماها باسمها فكان يحبها في حنان زائد ويقول هذه أمي ويكرمها لحبه لوالدته.

وعندما ولدت أيمن فرح به فرحا عظيما وكان يتمنى لو كانت والدته على قيد الحياة لتراه وتقر عينها به إذ كانت تقول لمحمد زاهد وهو صغير: أرجو من الله أن أراك داخل علي ممسكاً بيد أخيك، ولكن شاء الله أن تتوفى ولم تنعم بهذه الأمنية فكان يحمله مدللاً ويقول:

أبو اليمن يا ولدي         ما في مثلك في بلدي

ويردد أخوته هذه الكلمات ويعملون منها الأهازيج وتضفي على البيت البهجة والسرور.

وبعد أيمن ولدت هالة ففرح بها كثيراً، وقال: هذه أخت خديجة رضي الله عنها، وأسماها هالة لأن النبي كان يكرمها لحبه لخديجة رضي الله عنها، وكان يحبها ويكرمها هو أيضا لإكرام النبي لهالة رضي الله عنها. وعندما كان في السجن أطلق عليها في رسالة منه "هالة الكهرباء" لحيويتها ونشاطها وشدة حركتها.

ثم ولدت حسناء ففرح بها جدا وكانت الإبنة الخامسة من البنات وقال هذه هي الحسناء وأسماها أم الحسن حسناء، وعندما ولدتها كان قد فاز بمقعد عن حلب في مجلس النواب، يسافر ثلاثة أيام لدمشق ويأتي ثلاث أيام فمن وقت دخوله البيت يسأل عن الصغيرة الحبيبة ويحملها ويدللها بأم الحسن.

ورزقنا بعد حسناء بلبابة ففرح بها كثيرا، وكان عمرها سنة عندما ذهبنا إلى السعودية، وذهبنا في تلك السنة للحج ـ وقد أدى فريضة الحج من قبل ـ فحملها على كتفه وهو مسرور بحملها وكان الحجاج يهشون لها ويبشون فيقول مداعبا لها فتنت الحجاج،  ومكثنا في السعودية سنة ثم نزلنا للاصطياف في حلب فاعتقل سنة فكنا نذهب لزيارته في السجن الحربي في تدمر أنا والأولاد وبعض الأحيان أتركها لصغرها ومشقة السفر فيسأل عنها المرة تلو المرة حتى أكدت له أنها في صحة وعافية ولكن لم آت بها لصغرها ومشقة السفر.

وبعد خمس سنوات عندما رزقنا بأمامة أسماها بهذا الاسم الجميل، وسر بمقدمها وكأنه لم يأتنا مولودة قبلها فكان يحبها حبا جما وأحبها لحبه الجميع وكأنها أول مولود يضاف الى الأسرة، وليست سابع ابنة له رحمه الله.

وعندما رزقنا الله بسلمان فرح به الوالد فرحا عظيما وفرح به الإخوة والأخوات والوالدة طبعا، وكان البيت في ذاك الحين يعج بالأخوة والأخوات الغير متزوجين والزائرين من المتزوجين والجميع فرح بمقدم المولود الجديد الحبيب وقد قال رحمه الله هذا سلمان من أهل البيت وكنت أتمنى في نفسي أن أسميه عبد الرحمن لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، ولكن لم أذكر له ذلك حتى لا أفوت عليه الاسم الذي أحبه واختاره فآثرته على نفسي.

 وعندما رزقنا بجمانة ـ آخر أولادنا ـ فرح بها كثيرا، وقال هذه هي الجمان وأسماها جمانة، وكلما حملها يقول هذه ابنتي الوحيدة لا يوجد عندي غيرها، وعندما كانت أخواتها يحتججن ويقال له: كفى تدليلا،  كان جوابه حاضراً فيقول مداعباً: ليس عندي غيرها من هذا الاسم، فرحم الله ذلك القلب الواسع لمحبة الجميع.

ومما يذكر في هذا الصدد أنه عندما كان في السجن رأت كبرى بنات أخته السيدة ندى بيرقدار قبل خروجه بشهر مناما أنه خارج من السجن ويضيف المهنئين لبنا، وعندما روت له هذا المنام في زيارة له قال: الحمد لله هذا يعني الدين والفطرة وفي ذلك الوقت أنجبت ابنة فأسماها خالها بشرى استبشارا بخروجه وكان ذلك والحمد لله.

وكان رحمه الله يحب الأولاد ـ كما أسلفت ـ ويداعبهم ويباسطهم رغم انشغاله في مكتبته يطالع أو يحقق الكتب، فما نراه إلا وقد خرج منها ليلاعب الأولاد فيحمل هذا ويداعب هذا ويلعب معهم ويدخل السرور على قلوبهم قليلا ثم يعود إلى غرفته، فلا يحرمهم من أبوته ولا يستغرق كثيرا من الوقت إذ كان حريصاً على وقته جدا، وكان الأولاد يدخلون عليه غرفته فلا يقول لولد أخرج من الغرفة أو أنا مشغول، بل يستمع إليه حتى ينصرف ويعطيه سكرة، وأقف أنا بالباب أنتظرهم حتى أتيح له الفراغ فأناديهم وأشغلهم عنه، وهذا من توفيق الله له أن فهم الأولاد أن سرور والدهم بجلوسه بين كتبه، وكذلك أنا فكنت والحمد لله حريصة على وقته وتعودنا على ذلك المنهج، وكنت إذا أطال الجلوس معنا أحس كأن الوقت ذهب مني لا منه.

وبقيت معه حتى آخر أيامه محبته للأولاد ومداعبته لهم وامتدت إلى أحفاده وغيرهم من الضيوف، فكان يسأل حفيدته لبابة ابنة هالة: كم تحبيني؟ فتقول: هكذا وتفتح يديها قدر ما تستطيع، وكان يداعب حفيدته عائشة ابنة ميمونة ويقول لها: أنت عليك جزاء المتأخرين، وقصة هذا التأخير أننا كنا عند ميمونة قرب وضعها لابنتها عائشة هذه حيث أحببنا أن نكون بجانبها وقت الولادة، ولكن تأخرت عن الموعد المتوقع واضطررنا للذهاب إلى الرياض لظرف طارىء، ولهذا كان يداعبها بالمتأخرة عليك جزاء التأخر. ويقول لأولاده ثم أحفاده إذا وضع الطعام مذكراً: إذا نسي المسلم أن يسمي قبل الطعام فليقل بسم الله على أوله وآخره، وكانت حفيدته صفية أبو طوق تقول ابتداءً في أول الطعام: بسم الله من أوله إلى آخره، فيضحك منها ويداعبها ويقول: هذه محتاطة من أوله إلى آخره.

 وكان مع محبته للأولاد حريصا على تربيتهم التربية الإسلامية كآداب الطعام مثل غسل اليدين والتسمية قبل الطعام ثم الأكل باليمين ومما يليهم وعلى غسل أيديهم وكيفية جلوسهم، وعندما لاحظ أن إحدى بناته عندما كانت صغيرة تمد يدها اليسرى لتتناول الطعام وضع أساور في يدها لتعرف اليد اليمنى وما توانى في تنبيهها حتى صارت تستخدم اليمنى بحمد لله، ومما يجدر ذكره هنا أنه رحمه الله لم يكن ليخص نفسه يوما بطعام دون أسرته.

كان رحمه الله لا يفوته فضل السحور في رمضان ويوقظ الأولاد ويصبر عليهم حتى يستيقظوا ويتسحروا، ولكن لما تعب توليت عنه هذه المهمة حسب ما يحب ويرضى، وكانت لا تفوته صلاة ركعات بعد السحور وقبل أذان الفجر، ولا يفوته أيضا الدعاء بعد الإفطار ولكن دون الجهر.

وكان رحمه الله على سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم لا يعيب طعاما قط – وأورث ذلك لزوجه وأولاده – ولا يهمه النوع أو التفاخر في المآكل، ولا يتبادر إلى الذهن أنه لا يفرق بين الطعام الطيب وغيره فهو يقدر ويحب الطيب من الطعام، ولكنه ما عاب طعاما إن أحبه أكله وإن لم يحبه تركه.

كان رحمه الله ميسراً لا معسراً في الزواج، فقد زوج بناته وأولاده بمهور وشروط لا مغالاة فيها مع مراعاة الغبطة في الزواج، وكان يراعي في الزواج جانب التدين والوعي ثم التوافق الاجتماعي والمزاج الشخصي ولذا فقد كان أصهاره وزوجات أبنائه من بيوت متوسطة الحال مقاربة لنا في التدين والسوية الاجتماعية.

وكنت عند زواج البنات أستشيره حتى فيما أخيطه لهم من الملابس في البيت لأن له ـ رحمه الله ـ ذوقا رفيعا في ذلك، وكان رحمة الله عليه يغض الطرف في الأفراح أو الأعياد عن إظهار الفرح والسرور فما أشبهه في ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما جاء سلمان مرة وطلب من أخواته ألا يرفعن أصواتهن بالزغاريد، قال له: دعهن يا سلمان فإنهن فرحات.

وكان رحمه الله إذا زوج ابنته بقي متابعاً لأحوالها الزوجية في سنيها الأولى لتوجيهها والاطمئنان عليها، وعندما تزوجت ابنته حسناء وكان زوجها يختص في ألمانيا قمنا بزيارتها عند وضعها مولودها الأول حمزة وفرح بذلك كثيرا واطمئن على حالها إذ كانت جيدة والحمد لله، وعندما تزوجت ابنته أمامة لألمانيا كان عازما على زيارتها ليطمئن ولكن لم يقدر الله له ذلك، وقد قام بهذه الزيارة ابنه أيمن بعد وفاة والده فجزاه الله خيراً.)

وكان الوالد حريصاً على أن تبقى لأولاده صلة بموطنهم سورية وببلدهم حلب وصلة الرحم بالأقارب فيها ما أمكن ذلك، وتحدثنا الوالدة عن تضحيته عندما لم يعد بمقدوره الذهاب إلى حلب في الصيف حيث (كان يتحامل على نفسه ويرسلنا إلى حلب من أول العطلة ويبقى هو وحده في السعودية أو في لبنان ويقول لي حتى لا تطول الغربة على الأولاد، ويبقوا على صلة بأعمامهم وعماتهم وسائر أرحامهم.)

ومما يذكر في هذا الصدد أن الوالد عندما كنا مقيمين في حلب كان الوالد يأخذنا بعد صلاة العيد مع العمين وأولادهم لزيارة القبور ـ وفق عادة أهل البلد ـ ثم نزور الأقارب في اليوم الأول مبتدأين بالأقرب والأكبر سناً من أخوات وأخواله وأولاد عمه وغيرهم من الأرحام ـ وأحياناً الأصدقاء إن بقي متسع في الوقت ـ ثم يستقبل الوالد ضيوفه في اليوم الثاني للعيد أفواجاً متتالية من الشيب والشبان والأساتذة والطلاب والتجار والعمال. وكان الوالد في عيد الأضحى حريصاً على سنة الأضحية وإهداء بعضها للأرحام لتكون مدخلاً آخر لصلة الرحم

ومن توجيهات الوالد الذوقية ما تحدثنا عنه الوالدة أنه رحمه الله كان (لا يرى أن يبتدئ الرجل مكالمة هاتفية بقوله السلام عليكم من وراء الهاتف، بل يرى أن يبتدئ الرجل بتعريف نفسه بقوله: أنا فلان ثم يطلب الشخص الذي يريده، ويعلل ذلك أنه قد ترد عليه امرأة صغيرة السن قد تظنه ـ اذا ابتدأ بالسلام ـ من أقاربها لتشابه الأصوات، فترد عليه السلام بحرارة ثم تخجل حين تتبين أنه رجل غريب.)

أخلاقه ومنهجه في التربية:

من الصعب الفصل بين أخلاق الوالد ومنهجه في التربية لتلازمهما تلازماً وثيقاً، فقد كان يقدم لنا ـ ولكل من رآه ـ مثالاً حياً تتمثل فيه أخلاق القرآن والتشبع بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فلا ترى في سلوكه وحياته إلا ما أثر عن رسول الله، وكان حريصاً على جمعنا لتلاوة القرآن كل يوم وعلى الأخص لتلاوة سورة الكهف في يوم الجمعة، حيث يتعاقب الأولاد على تلاوتها.

والشيء بالشيء يذكر كان الوالد يتلو القرآن من مصحف خاص به هو مصحف فؤاد الأول من طبع دار الكتب المصرية وبحرفها الجميل المتناسق ويعجبه فيه أن صفحاته على نسق واحد تريح النظر وإن لم تلتزم أن تنتهي الصفحات مع نهاية الآية، وقد صورته دار القرآن الكريم في بيروت، ثم أخذ يحمل في آخر سنواته مصحفاً صغير الحجم من طبع قطر من خط الخطاط عثمان طه، واستطراداً على استطراد أذكر هنا أن الوالد كان من المعجبين أشد الإعجاب بخط الخطاط الدمشقي الشهير بدوي الديراني وسمعته يمدحه بصفاء النفس والتقوى ولذا جاء خطه معبراً عما في نفسه رحمهما الله.

وتذكر الوالدة أنه رحمه الله كان لا يتخلى عن سنة السواك عند كل وضوء ـ وإن استعمل الفرشاة ـ محافظة منه على السنة، وكان رحمه الله يؤذن للصلاة أحياناً أو يدعو أحد الأولاد للأذان ثم الإقامة، تشجيعاً لهم على المواظبة على الصلاة، وعندما كنا صغاراً علمنا أدعية الاستيقاظ والنوم والخروج من المنزل ودخول الخلاء وغيرها وتابعنا عليها بلطف وتشجيع حتى أصبحت السنن بفضل الله أساساً في حياتنا، وكان لا يخرج من المنزل راكباً أو ماشياً إلا وذكر دعائي الخروج والركوب بصوت يسمعه من حوله تذكيراً وتنشيطاً لهم.

وتشير الوالدة أنه رحمه الله (كان يحب تجديد الوضوء لكل صلاة، ولم يكن غسل الجمعة ليفوته، وما كان لينام قبل قراءة المعوذات وسورة تبارك ودعاء النوم، ولم يأكل مرة في صومه قبل الصلاة فقد كان يفطر على تمرات وماء ثم يصلي ثم يأكل الطعام.

وكان طبعه أن يأخذ نفسه بالعزيمة دون مغالاة، ولا يقول في فتاويه إلا الحق الذي تبين له لا يغالي ولا يتساهل.

وكان يحث أهله ومن حوله على حضور بناتهم الدروس الدينية لغرس التقوى وحب الشخصيات المسلمة في نفوسهن من الصغر، وكان ذلك في وقت غفل فيه كثير من الناس عن تربية البنات على الإسلام والتقوى والعلوم الشرعية، وكان يؤكد عليّ كثيراً تعليم الأولاد القرآن الكريم والاعتناء بتربيتهم على الأخلاق الفاضلة والذوق المستقيم.)

كان رحمه الله راضياً بقضاء الله رضاء المؤمن الواثق، لا يتذمر ولا يتشكى، ولا ييأس ولا يكتئب، وتذكر الوالدة مثالاً على ذلك (أنه في مرضه الذي توفي فيه وقبل أن يتوفى بشهر بعد العملية التي لم يكتب لها النجاح، قلت له مرة وكان في رأسه صداع شديد: لقد كنا في غنى عن هذه العملية، فقال لي: لا تقولي ذلك، نحن استخرنا الله وكان خيراً، فلم يقبل هذه الكلمة رحمه الله، وكان يستخير الله في سائر أعماله وقراراته وما يقدره الله يرضاه من غير اعتراض أو سخط.)

وكان رحمه الله يلجأ إلى الله ويدعوه في سائر أموره جليلها وحقيرها، وتذكر الوالدة (أننا كنا في أول ذهابنا للسعودية نأتي بالطعام من سورية لعدم توفره في الرياض، وفي إحدى المرات كنا سنأتي معنا بجبن، وكانت الجمارك ترمي كل ما يأتي من سوريا بسبب شبهة تلوث دون أن نعلم ذلك، وكان هو في الرياض وليس هناك وسيلة للاتصال بنا، واشفق علينا من هذا الموقف الذي يزعج المرأة، فصلى ركعتين وسأل الله أن يتولانا، فقدر الله أن تتأخر الرحلة أسبوعاً رفعت خلاله الجمارك حظرها على الأطعمة السورية، ووصلنا إلى الرياض بيسر دون أي عناء والحمد لله رب العالمين.

وكان رحمه الله يحب المشايخ والصالحين ويؤمن ببركة دعائهم، ويطلبه منهم تأسياً بالمصطفى صلوات الله عليه، وفي أول سفر لنا للحج مع الأولاد عام 1388=1968 ذهبنا أولاً للمدينة المنورة حيث مرضت الابنة الكبيرة ميمونة وقال الطبيب إن ألمها نتيجة التهاب الزائدة، وكان من شأن هذا أن يمنعنا من إكمال السفر إلى مكة المكرمة وإتمام الحج، ولكنه رحمه الله قال لي: هاهنا رجل صالح سوف أذهب إليه وآتي به إلى البيت ليدعو لها، وكان البيت مواجهاً للمسجد النبوي الشريف إزاء باب السلام، وما هي إلا دقائق وأتى بهذا الرجل الصالح فدعا لها فشفيت وكأن لم يكن بها ألم بإذن الله تعالى فرحم الله تلك النفوس الطاهرة.) وقد أشار الوالد إلى ذلك في كتبه.

وكان الوالد في السنوات الأولى من زواجه يلجأ للضرب في تربية الأولاد إذا استنفذ الوسائل الأخرى ولكنه عدل عنه فيما بعد إلى العتاب والتوبيخ، وكانت هيبته ومحبته تجعل ذلك أوقع من أي عقوبة.

وكان رحمه الله يهتم بدراستنا لا سيما في المراحل الأولى كي تتأسس على أساس متين قوي وتنمو لدينا ملكة الجد في الدراسة، وكان على علاقة وثيقة ببعض مدرسينا وبالذات في حلب الذين كانوا يتشددون معنا ـ ونحن متضايقون ـ لأننا أولاد الأستاذ عبد الفتاح زميلهم الذي يحظى بتقديرهم واحترامهم ومحبتهم، وأذكر أن الوالد اصطحبني في زيارة عيد لأول أستاذ لي وهو المرحوم جودت الغوري أستاذي في الصف الأول الابتدائي وطلب مني تقبيل يده،  كما كان رحمه الله في المرحلة ذاتها يتابع واجباتنا المدرسية لاسيما ما تعلق منها بالعلوم الدينية واللغة العربية، وأذكر أنني في الصف السادس الابتدائي انتدبني مدير ابتدائية الكواكبي الأستاذ أسعد حنجرة بمناسبة يوم الشجرة لإلقاء كلمة تدعو إلى التشجير فراجعتها مع الوالد الذي أشار علي بأن أدرج فيها الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل.)

وكان الوالد يحتفظ في ملفات خاصة لكل ولد بشهاداته المدرسية وشهادات التقدير التي يحصل عليها، وكانت آنذاك تتراوح بين مرحى فالتقدير فالامتياز، وكان الوالد كذلك يحتفظ بورقة التقويم في اليوم الذي يولد فيه أحد الأولاد ويسجل على هامشها بخطه الأنيق الجميل أنه في هذا اليوم رزق بمولود حامداً المولى وشاكراً له أنعمه، وقد ذهبت كل ذلك فيما ذهب مع المكتبة في حلب، وأرفق صورة مما كتبه لحفيده ابني عبد الفتاح يوم ولادته.

وعندما كنت أدرس في المرحلة الثانوية في معهد العاصمة النموذجي كان المدير القدير الأستاذ عثمان الصالح والأستاذان أحمد فرح عقيلان وضياء الدين صابوني ينتدباني لإلقاء كلمات في الطلاب في التجمع الصباحي أو الأنشطة الطلابية الأخرى، وكان رحمه الله حريصاً على أن يراجع معي ما كتبته أو ما سألقيه ويصحح لي الأخطاء النحوية والإنشائية، ويوجهني لما يليق قوله بالمقام وما ينبغي تجنبه.

وكان يتخولنا بالقصص المفيدة ويقرأ لنا بين الفينة والأخرى من سيرة وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن القصص المفيدة، ومما أذكره أنه قرأ لي وأنا غر صغير لا أتجاوز العاشرة القصة التالية من كتاب مجمع الأمثال للميداني:

فِي بَيتِهِ يُؤتَى الحَكَمُ

هذا مما زعمت العرب عن ألسُنِ البهائم قَالوا‏:‏ إن الأرنب التقطتْ ثمرةً، فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب فَقَالت الأرنب‏:‏ يا أبا الحِسْل فَقَال‏:‏ سميعاً دَعَوْتِ، قَالت‏:‏ أتيناك لنختصم إليك، قَال‏:‏ عادِلاً حَكَّمْتُما، قَالت‏:‏ فاخرج إلينا، قَال‏:‏ في بيته يُؤتى الحكم، قَالت‏:‏ إني وجدت ثمرة، قَال‏:‏ حُلْوَة فكُلِيها، قَالت‏:‏ فاخْتَلَسَها الثعلب، قَال‏:‏ لنفسه بغَى الخَيْرَ، قَالت‏:‏ فَلَطَمْتُه، قَال‏:‏ بحقِّكِ أخَذْتِ، قَالت‏:‏ فَلَطَمَنِي، قَال‏:‏ حُرٌّ انتصر، قَالت‏:‏ فاقْضِ بيننا، قَال‏:‏ قد قَضَيْتُ، فذهبت أقواله كلها أمثالاً.

وكان رحمه الله يشجعنا على قراءة الكتب الإسلامية والأدبية ومما شجعنا على قراءته في مراحل مختلفة من نشأتنا: قصص الأنبياء لمحمد أحمد برانق وقصص التاريخ الإسلامي للأستاذين سيد قطب وعبد الحميد جودة السحار، وهذين المجموعتين قرأتهما علينا الوالدة قبل دخول المدرسة، وقصص العرب لأبي الفضل إبراهيم وآخرين، ومن روائع حضارتنا للأستاذ مصطفى السباعي، ومن روائع إقبال للأستاذ أبي الحسن علي الحسني الندوي، وتفسير القرطبي وصحيح مسلم ـ وكان يعجبه ترتيبه واختيارات الإمام مسلم ـ ورياض الصالحين، ومن آخر الكتب التي نصحني باقتنائها وقراءتها الإفصاح في فقه اللغة لعبد الفتاح الصعيدي، والمصباح المنير للفيومي، وكتاب المستطرف للأبشيهي وقال لي إنه كتاب أدبي ولكنه جمع بين الموعظة والتذكرة وبين الطرفة والملح.

وفي مسعاه لتطوير شخصياتنا كان الوالد رحمه الله يعهد إلينا بمساعدته في بعض ما يحققه من كتب، وإني لأذكر أن أول كتاب طلب مني الوالد مراجعة بعضه معه كان مقدمة رسالة المسترشدين وكنت آنذاك في الحادية عشرة من عمري، ثم أوكل إلي وأنا في السادسة عشر من عمري صنع فهارس سنن النسائي التي طبعها طبعة جميلة أنيقة، وأشار إلى ذلك في المقدمة تشجيعاً لي وذكرى لأياديه المباركة، وغني عن القول أنني بصنعي الفهارس قرأت الكتاب واكتسبت ذخيرة طيبة من الحديث النبوي الشريف، ومن الكتب التي صنعت بعض فهارسها: المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن القيم، والمصنوع في الحديث الموضوع للإمام علي القاري، وكان الوالد يطلب منا كثيراً أن نقابل معه أصول كتبه المؤلفة والمحققة على تجارب المطبعة، وهدفه من ذلك أن يستقيم لساننا وتتهذب نفوسنا بما نقرأه من آيات وأحاديث وعظات وأخبار.

وكان رحمه الله لا يفتر عن تذكيرنا جميعاً بحق الدين الحنيف علينا في توجيه أولادنا للعلم الشرعي سواء بالتفرغ له أم بالتعلم، وكان شديد الحرص أن نعلم أولادنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والتأسي بسنته وأن يكون لكل أسرة وقت مخصص لتلاوة حديث وشرح معانيه، وعندما أكرمني الله بابني سالم ـ وهو الذي أسماه تيمناً بسالم مولى أبي حذيفة ـ  كان من دعائه له أن يكون عالم القرآن والسنة.

كان الوالد رحمه الله يهتم بالتعرف على أصدقائنا ليتأكد من أخلاقهم وسلوكهم، وزارني مرة صديق لي وأنا في العاشرة فسلم عليه الوالد واستفسر عن اسمه وعائلته ثم سأله: هل تصلي؟ فأجابه: "تقطيش" أي صلاة متقطعة، فقال له الوالد مداعباً: أتريد أن تكون مسلم تقطيش؟ وكان استفساره وتعرفه على أصدقائنا مشوباً باللطف دون أن نشعر أنه يتجسس علينا أو يشك فينا مراعياً ـ رحمه الله ـ في ذلك حساسية الشباب، وأذكر أنني استضفت صديقاً لي في المنزل وكنا نلعب الشطرنج وأراد الوالد الدخول سائلاً من لديك فقلت له صديقي، وكأنه شعر مني تخوفاً من دخوله ـ فقد كان يرى الوقت أثمن من أن يضاع باللعب ـ فعاد ولم يدخل، وكان ذلك محل استغراب وإعجاب صديقي الذي قال لي: لو كان والدي لدخل وسأل وحقق.

وكان رحمه الله يهتم بضيوفنا اهتمامه بضيوفه من حيث إعداد البيت إعداداً لائقاً وضيافتهم وراحتهم، وكل هذا كان درساً عملياً لنا في منهجه وذوقه أراد تعليمنا إياه من خلال ما يدخل السرور والفخر على أنفسنا.

كذلك كان الوالد يرغب دائماً في تعريفنا على الشخصيات الإسلامية ويصطحبنا معه للسلام عليهم ولقائهم وممن تشرفت بلقائهم في معية الوالد حرصاً منه على ذلك رحمه الله: فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف، والمفتي محمد أمين الحسيني، والأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي، والأستاذ أبو الأعلى الموددي، والشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر، والمحدث مولانا ظفر أحمد الأنصاري، ومفتي باكستان مولانا محمد شفيع، ومفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة مولانا محمد حميد الله، ومؤسس جماعة عباد الرحمن في لبنان الشيخ محمد عمر الداعوق، والأستاذ محمد ناصر الداعية الإندونيسي، والأستاذ رشدي الكيخيا، والشيخ إسماعيل الأنصاري، رحمهمم الله جميعاً، والدكتور عبد الله التركي أمده الله بالصحة والقوة.

وكان الوالد يوجهنا في أمثال هذه الزيارات لما ينبغي أن نلبسه مما يناسب مقام هؤلاء العلماء الأعلام، أذكر أنني كنت سأصحبه لزيارة الأستاذ أبي الحسن الندوي وكنت ألبس صدارة صوف برتقالية اللون فأشار علي بتغييرها إلى لون داكن يناسب وقار المجلس وجديته، وكان يلاحظ حتى ما نلبسه من حذاء ليكون نظيفاً حسن المنظر.

علاقاته ببيت حميه:

كان الوالد قبل الزواج على علاقة وثيقة ـ كما أسلفنا ـ بولدي حميه وازدادت هذه العلاقة توثقاً بعد المصاهرة، وكان رحمه الله يحترم حماته الحاجة نبيهة كبه وار ـ والتي توفيت عام 1981 ـ رحمها الله احتراماً بالغاً وكانت رحمها تحبه حبا عظيما وتكن له الاحترام، وكانت علاقتهما صافية تماماً من الكدر الذي يعهده بعض الناس بين الصهر والحماة، وتشير الوالدة أن (الجدة رحمها الله كانت تثق بالوالد ثقة تامة فما يقوله حلال فهو حلال وما يقول إنه حرام أو مكروه أو مندوب أو غيره من الأحكام الشرعية فهو كما يقول، وكان كل أهل بيته كذلك لثقتنا به أنه لا يقول إلا بما تبين له من الحق عن الرسول صلى الله عليه وسلم.)

وكان رحمه الله يشاور خالي الدكتور علي في كثير من الأمور المعاشية والدعوية ويشاوره خالي كذلك في أموره، وتقول الوالدة: (لم أشعر منه إلا الحب لإخوتي وأمي وكل أهلي كما أنهم يحبوه ويكنون له التقدير لمعاملته اللطيفة وعلمه ونزاهته.)

استقبال الزوار والضيوف:

كان الوالد كثير الزوار وبخاصة عندما كان في حلب وأول قدومه إلى السعودية، فقد كتب الله له القبول لدى الناس، وكان الزوار في حلب يتكونون في معظمهم من طلبة المدارس الثانوية والجامعات من الشباب المسلم الناشئ الذي يقصد الوالد لفتوى أو استشارة معيشية أو اجتماعية، وإلى جانب هؤلاء كانت اجتماعات علماء حلب بصفة دورية تعقد في الغالب في بيت الوالد وتضم وفق ما تعيه ذاكرتي أصحاب الفضيلة الشيخ الصالح محمد الحريري والشيخ محمد الحموي والشيخ عبد الله علوان والشيخ عبد الله سلطان والشيخ محمد علي الصابوني، وكانت هذه الاجتماعات تناقش وضع تدريس مادة التربية الإسلامية ـ التي كان أغلب الحضور من مدرسيها ـ في حلب، وتنسيق مواضيع خطب الجمعة وغيرها من القضايا التي تستجد على صعيد حلب أو سوريا.

وإلى جانب هذا الزيارات قام الوالد في هذه الفترة بتدريس بعض المشايخ في حلب دروساً في بعض امهات الكتب، تذكر الوالدة منهم المشايخ محمد الحموي والحداد وعبد الله علوان رحمهم الله تعالى.

 وتحدثنا الوالدة عن ترتيباته لاستقبال الضيوف:

(إلى جانب الزوار العاديين كان الزوار في أيام الأعياد والمناسبات يقدمون أفواجا أفواجا من الضيوف والشباب المسلم، وكنا نعد للضيافة كل عام مركزاً من شراب الفاكهة نضعه في أوعية زجاجية كبيرة ونبيض إناء نحاسياً كبيراً كانوا يسمونه الدست استعدادا لمزج الشراب به في العيد مع قوالب الثلج الكبيرة، أما ضيافته للزوار العاديين فكانت القهوة أو الشاي ثم الفاكهة حسب ما تيسر، ولذا كان يندر أن يخلو البيت من التفاح والبرتقال.)

وكان رحمه الله يلاحظ ضيفه ويوجهه لسنة الشراب والأكل باليمنى دون إحراج أو توبيخ، وأذكر أنه كانت دلال القهوة العربية في سورية تقوم على أن تمسك باليمين ويقدم الفنجان للضيف باليد اليسرى، فسأل عمي عبد الغني رحمه الله أن يطلب من الصانعين صناعة دلال تمكن المضيف من تقديم الفنجان باليمنى إلى أن شاعت ودرج استعمالها.

وتذكر الوالدة أنه رحمه الله كان (عند الترتيب للمآدب يراعي في الطعام التنوع الذي يناسب أذواق المحتفى بهم دون مبالغة في تعدد الأنواع أو كثرة الكميات وله في ذلك ذوق دقيق من مراعاة وجود الطعام الجاف كالكبة الصينية مثلاً والطعام الذي يتضمن المرق كالبامية والسلطة والفواكه والحلوى إن أمكن ذلك. وكان رحمه الله يؤكد علينا أن نلتزم البساطة في إعداد الطعام وطبخه.

وإلى جانب حبه للنظام كان يحب النظافة في كل شيء، وكان رحمه الله ـ قبل أن يأتيه الضيف ـ ينظر في البيت والدهليز المؤدي لغرفة الضيوف حتى لا تكون فيه شائبة أو عورة من عورات البيت، وكانت له دائماً نظرة في البيت فينظم المقاعد مرتبة متناظرة، ويجيل النظر في كيفية إجلاس ضيوفه من العلماء المحتفى بهم حتى يكون كل منهم في مرتبته مبجلاً معززاً يراه الحضور، وإذا كان الضيوف مدعوين لطعام يدخلون بعده للحمام يقوم بتفقد الحمام والطريق إليها، وكان رحمه الله يساعدنا في وقت الدعوة بنظره الثاقب الحنون فيتفقد المنشفة والصابون وغيرها من اللوازم التي قد تغفل عنها سيدة البيت لكثرة مشاغلها، لأنه يريدها أن تكون جديدة نظيفة ذات رائحة طيبة.

ومما يذكر من محبته للترتيب والتنسيق أنه كان يقول لي: عندما تغادرين بيتك إلى زيارة يجب أن ترتبي البيت وكأن زائراً سيأتي في غيابك، وكان رحمه الله يجول بنظره في أرجاء البيت وما يقبل أن تكون الأشياء مبعثرة لا المحافظ ولا الأحذية ويعيب على الذي يخلع نعليه غير مصفوفتين، وقد أورثنا هذا الخصال الحسنة جزاه الله عنا خيراً.)

ومما يجدر ذكره تعقيباً أن الوالد رحمه الله كان يكره الإسراف ـ في غير شح أو بخل ـ ولذا كان حريصاً على توفير الماء والكهرباء في البيت إحساساً منه بأهميتها وذلك قبل سنوات طويلة من حملات ترشيد الاستهلاك، فكان رحمه الله يوجهنا للاقتصاد في الماء عند فتح الصنابير ولا أنسى ما نسيت قوله لي وأنا شاب حدث: لا تسرف ولو كنت على نهر جار، وكان يذكرنا بإطفاء المصابيح والمكيفات عند خروجنا من الغرف، ولكنه في الوقت نفسه كان بالغ الحرص على أن نقرأ في نور كاف تجنباً لإجهاد العيون، فكم من مرة دخل علينا وأشعل مصباحاً إضافياً أو وجهنا لتغيير الجلسة استقبالاً للضوء، وإذا قلنا له شكراً قال لنا: نوّر الله عليكم، تذكيراً لنا بأن يكون شكرنا متصلاً بالله عزوجل.

وتذكر الوالدة أنه رحمه الله تعالى (كان له ذوق فريد في ترتيب أغراض المنزل، فمعجون الأسنان يجب ألا يترك مفتوحا ويكبس من الأسفل باتجاه الفم، ولا يوضع الشاي في خزانة الأطعمة ذات الرائحة بجانب البهارات أو غيرها من الطعوم حتى لا يتأثر بالرائحة.)

وكان رحمه الله نظيفا يحب النظافة والهندام الحسن، ويعلم ذلك كل من عرفه، ولا يتردد أن ينظف حذائه بمنديل إذا اتسخ حتى يبقى نظيفاً طيلة الوقت ناهيك عن نظافة الجسم والملابس، وتذكر الوالدة أن الجدة رحمها الله (كانت تساعدني بعد زواجي في النظر في بعض الأعمال لصغر سني، وحيث لم تكن الغسالات الكهربائية متوفرة في ذلك الوقت، فقد كانت تأتي امرأة تغسل لنا الملابس والوالدة تساعدني رحمها الله فتقول لي: غسيل الأستاذ رائحته طيبة لماذا تغسلينه؟ مداعبة منها رحمها الله.

لباسه:

كان الوالد يلبس في أول حياته البنطال وفوقه معطف طويل على نحو ما يلبسه بعض علماء بلاد الشام إلى اليوم، وبعد عودته من مصر لبس الثوب والجبة، وكان يلبس تحتها سروالاً قطنياً ـ وصوفياً طويلاً في الشتاء ـ إلى أسفل الركبة وقميصاً داخلياً بنصف كم، وكان له في تفصيل الجبة أسلوب مميز يجمع بين الأناقة والراحة والاحتياجات العملية، اتبعه كثير من العلماء في بلاد الشام، وكان الوالد يرتدي جورباً إلى منتصف الساق دون الركبة، وكان حذاؤه يصنعه له حّذاء من المحبين من عائلة بريمو في سوق الخابية بحلب، وبقي يصنعه له حتى انقطعت الصلة بحلب فاستعاض عنه بالأحذية الأوروبية.

وكان في تبذله في بيته يرتدي ثوباً آخر غير ثوب الضيوف أو الزيارة، ويرتدي ثوباً آخر للنوم، وفي الشتاء كان يرتدي في البيت معطفاً صوفياً خشناً يحبه لكونه هدية من أحد علماء الهند، وكان دائماً يغطي رأسه بطاقية خفيفة ولاسيما في الصلاة حتى في صلاة الصبح رحمة الله عليه.

لم يكن لدى الوالد كثير من الثياب بل كان لديه ما يحتاجه، وكان حريصاً على نظافة ثيابه وهندامها وانسجام ألوانها، وكان لا يخرج دون أن ينظر في المرآة متفقداً هيئته ويطلب دائماً من الوالدة حفظها الله أن تتفحصه وتبدي له ملاحظاتها، وكانت هي بدورها حريصة على أن تبقى ملابسه في أحسن حال وجاهزة في كل الأوقات.

وكان الوالد حتى في زياراته لأوروبا يلبس لباسه التقليدي ويضع العمامة ثم أصبح يلبس في السنوات الأخيرة اللباس الإفرنجي درأً للفت الأنظار إليه.

أسفاره:

وقد سافر الوالد مع الوالدة في السنوات الأولى لزواجه للاصطياف في أريحا مصيف حلب التقليدي، كما اصطافا مرة في سير الضنية بلبنان مع عدد من المحبين وعائلاتهم، ثم ما عادت الوالدة تسافر معه في أسفاره لترعى ـ جزاها الله خيراً ـ الأولاد وتعتني بهم ولكن الله عوضها بعد أن كبروا فسافرت معه كثيراً (وأنعم الله علينا النعم التي لا تحصى والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات).

أصبح الوالد رحمه الله كثير الأسفار بحكم المسؤوليات التي أصبحت على عاتقه، فعندما أصبح عضواً في المجلس النيابي عام 1382= 1962 صار يسافر إلى دمشق ثلاثة أيام في الأسبوع، وبعد حل المجلس النيابي عمل الوالد في كلية الشريعة بدمشق فلم تتوقف أسفاره إليها، ثم سافر عام 1385= 1965 إلى الهند وباكستان لمدة ثلاثة أشهر في "خروج" مع جماعة التبليغ، وبعد عمله في السعودية صار يسافر إلى لبنان للاصطياف حيث تعذر دخوله لسورية، وكان مصطافه هناك في قرنايل وسوق الغرب حيث ولدت صغرى بناته جمانة، وبعد حرب لبنان توجه الوالد للسفر إلى تركيا والمغرب حيث زارها مع العائلة وتجولوا في ربوعها والتقوا بالمحبين من مغاربة وسوريين منهم الأستاذ عمر بهاء الأميري والحاج عبد العزيز الططري رحمهما الله، ولزيارة من يقيم من الأولاد في دول أوروبا وكندا وأمريكا، وإن كان قلبه بقي يتطلع للعودة إلى موطنه ولقاء أحبابه وإخوانه.

وعندما كان رحمه الله يسافر مع العائلة كان يرتب الحقائب والأمتعة ترتيباً دقيقاً يجتنب الكسر والعطب ويأخذ في الاعتبار ما يلزم في الطريق للأسرة من ماء وطعام وفواكه، ويتأنى بالأولاد مترفقاً بهم ومستجيباً لحاجاتهم ليكون السفر مريحاً ما أمكن، ويستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: السفر قطعة من العذاب، وكان رحمه الله يرسل الرسائل من أماكن سفره مطمئناً عن أحواله وسائلاً عن أحوال الأهل، سواء برسالة مطولة أو ببطاقة بريدية مصورة، ولا أزال أذكر البطاقات المصورة التي أرسلها لنا من المغرب تحمل صورة صومعة دار حسان في الرباط عندما قضى شهر رمضان هناك مدرساً في الدروس الحسنية أمام عاهلها الملك الحسن الثاني.

والسفر مع الوالد ممتع لأنه يمنحنا فرصة ثمينة طويلة للحديث معه وتبادل الآراء والأفكار، وكان يصطحب معه كتاباً لقراءته في الرحلة كما يتبين من مقدمات كثير من كتبه، وكان رحمه الله يقطّع الطريق بتلاوة القرآن والأذكار المأثورة والأشعار الجميلة المذكرة بالله، وتحدثنا الوالدة أنه (رحمه الله سافر بالسيارة من الرياض إلى مكة المكرمة وكان ابنه أيمن يقود السيارة في هذا الطريق الطويل فأنشد رحمه الله بعض الأشعار بعد تلاوة القرآن والأدعية المأثورة تسلية لأيمن، وكان مثار استغراب حفيدته مروة أن يتغنى جدها بالأشعار لكونها تعهده في مكتبته دائما يقرأ ويكتب.)

ومما كان الوالد يتغنى به كثيراً أبيات أبي كبير الهذلي وهي:

ألا يا حمام الأيك إلفك حاضـر                 وغصنك مياد ففيم تـنـوح؟

أفق لا تنح من غير شيء فإنني                بكيت زماناً والفؤاد صـحـيح

ولوعاً فشطت غربة دار زينب                  فها أنا أبكي والفـؤاد قـريح

وإجازتها لعوف بن محلم الخزاعي:

أفي كـل عـام غـربة ونـزوح              أما للنوى من ونـية فـتـريح؟

لقد طلح البين المشـت ركـائبـي             فهل أرين البين وهـو طـلـيح؟

وأرقني بالـري نـوح حـمـامة              فنحت وذو البث الغـريب ينـوح

على أنها ناحت ولم تـذر دمـعة              ونحت وأسراب الدموع سـفـوح

وناحت وفرخاها بحيث تراهـمـا              ومن دون أفراخي مهامـه فـيح

ألا يا حمام الأيك إلفك حـاضـر               وغصنك مياد فـفـيم تـنـوح؟

عسى جود عبد الله أن يعكس النوى            فيلقي عصا التطواف وهي طريح

فإن الغنى يدني الفتى من صديقـه             وعدم الغنى بالمقتـرين طـروح

 

وكان يذكرنا ونحن صغار بالأدعية المأثورة في بداية السفر ونهايته، وبقي رحمة الله عليه طوال حياته يرددها مسمعاً من حوله، ومما كان يدعوه عند الوصول إلى مكان: اللهم حببنا إلى أهل هذه القرية وحبب صالحي أهلها إلينا، اللهم ارزقنا جناها واجنبنا وباها.

وكان الوالد يوجهنا في رفق ومحبة للقيادة المتمهلة والابتعاد عن السرعة والأخذ بالأهبة من وقود وإطارات احتياطية وكان كثيراً ما يردد لنا في تذكيره هذا المثل: أن ترد الماء بماء أكيسُ، وكان يحب منا إذا سافرنا أن نبلغ أهلنا بوصولنا لما في ذلك من الراحة والطمأنينة ويذكرنا بالمثل العربي: إن الشفيق سيئ الظنون.

لم تكن لدى الوالد سيارة طوال إقامته في سورية قبل سفره للسعودية، وكان يستعمل وسائل المواصلات العامة كالحافلة (الأتوبيس) في تنقلاته، وكان يتحرج كثيراً من أن يخدمه أحد في مشاويره، ولكنه استثناءً من ذلك قَبِلَ من الحاج فاضل عطار رحمه الله وأجزل ثوابه وكان تاجراً معروفاً في باب الجنان بحلب - وأولاده لا يزالون من تجار السوق - أن يمر عليه لإيصاله إلى مسجده قبل صلاة الجمعة ثم إرجاعه إلى البيت بعدها، وقد تعلم الوالد قيادة السيارة عام 1390-1970 ثم عدل عن قيادتها لما تسبب من إضاعة الوقت في الذهاب والإياب وتوصيل العيال وكفيناه مؤونة ذلك بفضل الله.

وكانت أسفاره في أصلها للدعوة والتعلم والتعليم، ولذا كان مدار مصطاف الوالد قائماً على المحاضرات والتدريس ومتابعة أعماله في تحقيق الكتب، وعندما سافر الوالد إلى الهند وباكستان لأول مرة عام 1385-1965 سافر بالسيارة إلى البصرة ثم أبحر منها بالباخرة إلى مومباي ثم تجول بعدها في الهند وباكستان، ولما رجع عاد ومعه أحمال من الكتب بقدر ما تتحمل الطائرة، وما لبثت أن تلتها صناديق شحنها من الهند وباكستان إلى جانب ما كان يأتي به أفراد جماعة التبليغ الذين يزورون حلب في خروجهم للدعوة إلى الله وينزلون في غرفة قرب الموضأ في جامع الزكي بباب النصر.

وكان الوالد إذا دعي ـ أثناء زيارته بلداً ـ للمشاركة في محاضرات وندوات يتحرج من ألا يجيب الدعوة رغم أثر ذلك على برنامجه أو راحته خشية أن يندرج ذلك تحت كتمان العلم، وهكذا فقد ألقى محاضرات وكلمات ـ بعضها في الإذاعة والتلفاز ـ في كثير من البلاد نفع الله بها المستمعين وتقبلها منه، وفي إحدى زياراته لدولة الإمارات العربية المتحدة اجتمع الوالد بالشيخ زايد رحمه الله بمسعى من المرحوم فضيلة الشيخ أحمد عبد العزيز المبارك رئيس القضاء الشرعي فأشار سموه لتلفاز الإمارات بتسجيل بعض كلمات له تمت إذاعتها في حينها، ولدى دار الهجرة في العاصمة الأمريكية واشنطن تسجيلات لخطبه ودروسه التي ألقاها في هذا الصرح الإسلامي في صيف 1419-1989. 

وكان من أساس زيارة الوالد لأي بلد زيارة مكاتبها، وتحدثنا الوالدة عن زيارته لتركيا على سبيل المثال: (كان رحمه الله في سفره لا تخلو مكتبة منه من النظر بها أو تفحصها، فعندما كنا في تركيا في صيف 1404= 1984 استأجرنا بيتا في بيلربي في الطرف الآسيوي من استانبول، فكان يذهب في سفينة الساعة الثامنة صباحاً وما يرجع إلا في مساءً في السفينة الأخيرة، حيث يمضي نهاره في المكتبات ومراجعة المخطوطات).

من الحسرات التي كانت لدى الوالد أنه لم يُمكن من زيارة مصر ـ مع محبته لها وصلته بأزهرها وعلمائها ـ بعد أن انفرط عقد الوحدة بينها وبين سورية، وذلك لأسباب لا تخفى على القارئ اللبيب.

وإلى جانب هذه الأسفار ما كان رحمه الله لينسى زيارة أولاده الذكور والبنات عندما كانوا في غير بلده، فقد تشرفت بزيارة الوالد لي في لندن ببريطانيا مرة قبل زواجي عام ومرات أخرى بعده مع الوالدة حفظها الله، كما أكرمني رحمه الله بزيارته لكندا في صيف عام 1413= 1993، وزار الوالد كذلك أخي الدكتور أيمن في فانكوفر وريجاينا في كندا. وقد أكرمني الله بالسفر مع الوالد للحج والعمرة وإلى أمريكا وبريطانيا وبروناي دار السلام ومرافقته عند عودته إلى سورية.

وكان الوالد يحمل في سفره حقيبة يدوية سوداء تشبه ما يحمله الطيارون تحتوي فيما تحتوي على مصحف متوسط الحجم من طبع إدارة إحياء التراث الإسلامي بقطر، وسجادة صلاة من القماش الخفيف، وبوصلة لمعرفة القبلة، وحقيبة حلاقة صغيرة تحتوي على سواك وفرجون ومعجون أسنان، ومقصاً لتشذيب اللحية والشارب، وكان في الحقيبة كذلك شبشب خفيف وبضعة مظاريف وأكياس من النايلون وبعض الخيط مما قد يحتاج إليه المسافر، وكانت تحتوي كذلك على كتابين أو أكثر للمطالعة والمراجعة والتحقيق.

وكان الوالد في أحيان قليلة يدون بعض ما جرى معه من أحداث ومفاجآت في أسفاره للعظة والاستفادة من هذه التجارب، ويذكر لنا بعضها لنتعلم منها، ومما ذكره مرة تأخر بعض من كان يفترض فيهم استقباله ثم اعتذارهم بأعذار واهية مرقعة بدلاً من الاعتراف بالتقصير.

وبعد،

فالحديث ذو شجون، وأنى لصفحات أن تضم سنوات، ولكنه غيض من فيض أرجو أن يضع القارئ أمام شخصية الوالد في بيته ويقدم له جوانب لا يعرفها كثير من الناس، رحمك الله يأبتاه وأحسن مثواك، وجزاك عنا خير الجزاء.